أحمد بن محمود السيواسي

299

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 86 ] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 86 ) ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ ) أي البليغ الخلق والإيجاد من العدم ( الْعَلِيمُ ) [ 86 ] بحال ما يخلقه ويوجده ممن يؤمن ومن لا يؤمن ، فيعلم بحالك وحالهم ، ويعلم متى قيام الساعة فيحكم بينكم بالعدل والإنصاف فيها . [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 87 ] وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) قوله ( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي ) إلى آخره ، نزل متصلا بما قبله لنهي النبي عليه السّلام عن الرغبة في الدنيا بعد الأمر بالإعراض عن أهلها ، لأن اللّه تعالى أغناه بالقرآن والسبع المثاني ، أي ولقد أعطيناك مكان نعم الدنيا سبع آيات من المثاني ، جمع مثناة أو مثنية وهي الفاتحة ، فإنها سبع آيات بالإجماع وسميت مثاني ، لأنها تثنى في الصلاة ، أي تقرأ في كل ركعة ، ف « مِنَ » للبيان أو لاشتمالها على الثناء على اللّه ، ف « مِنَ » فيه تبعيض ، وقيل : « لأنها نزلت مرتين ، مرة بمكة ومرة بالمدينة ، كل مرة معها سبعون ألف ملك » « 1 » ، وقيل : « لأن اللّه استثناها وادخرها لهذه الأمة » « 2 » ، وقيل : « السبع المثاني هي السبع الطول ، أولها البقرة وآخرها الأنفال مع التوبة » « 3 » ، لأنهما في حكم سورة واحدة ، ولذلك لم يفصل بينهما بالبسملة ( وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) [ 87 ] عطف على « سَبْعاً » ، وليس فيه عطف الشيء على نفسه ، لأنه لما عني بالسبع الفاتحة أو السبع الطول فما وراءها يطلق عليه اسم القرآن ، لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل ، فكأن القرآن غيرها فحسن العطف ، قال عليه السّلام : « أم القرآن هي السبع المثاني » « 4 » ، والقرآن العظيم سائر القرآن أو السبع المثاني كل القرآن ، والمراد منه سبعة أسباع القرآن ، فالعطف بقوله « وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ » للبيان ، فالمعنى : آتيناك ما هو موصوف بهذين الوصفين الشريفين فلا ترغب في غيره بقلبك . [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 88 ] لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) ( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) أي لا تنظرن بعين الرغبة والميل ( إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ ) أي الذي أعطيناه في الدنيا ( أَزْواجاً ) أي أصنافا من المال ( مِنْهُمْ ) أي بعض الكفار متمنيا لها ، ف « أَزْواجاً » حال من الضمير في « بِهِ » ، والفعل واقع على « مِنْهُمْ » ، ويجوز أن يقع الفعل على « أَزْواجاً » ، و « من » للبيان ، أي أصنافا من الكفرة « 5 » ( وَلا تَحْزَنْ ) أي لا تغتم ( عَلَيْهِمْ ) إن لم يؤمنوا أو على نعمهم التي في أيديهم بفوت مشاركتك إياهم في دنياهم ، فإنها متاع قليل حقير في جنب القرآن العظيم ، فعليك أن تستغني به ، قال عليه السّلام : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » « 6 » ، أي لم يستغن به من مال الدنيا أو لا تحزن عليهم إن نزل بهم العذاب ( وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ 88 ] أي لين جانبك لهم وارفق بهم ، والجناحان من ابن آدم جانباه . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 89 إلى 90 ] وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) ( وَقُلْ ) لأهل مكة ( إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ) [ 89 ] أي المخوف لكم بالقرآن الذي هو برهان بين بلغة تعرفونها أن العذاب نازل بكم إن لم تؤمنوا ( كَما أَنْزَلْنا ) العذاب ( عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ) [ 90 ] الكاف صفة مصدر محذوف بفعل الأمر يدل عليه « أَنَا النَّذِيرُ » ، أي أنذرهم إنذارا مثل ما أنزلنا من العذاب على أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين اقتسموا ما يقرؤون من كتبهم ، فان اليهود أقرت ببعض التورية وكذبت ببعض ، وكذا النصارى في

--> ( 1 ) عن الحسين بن الفضل ، انظر البغوي ، 3 / 410 . ( 2 ) عن مجاهد ، انظر البغوي ، 3 / 410 . ( 3 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 410 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 224 . ( 4 ) أخرج الدارمي نحوه ، الصلاة ، 172 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 410 . ( 5 ) فأزواجا حال من الضمير في به والفعل واقع . . . على أزواجا ومن للبيان أي أصنافا من الكفرة ، ب س : - م . ( 6 ) رواه البخاري ، التوحيد ، 44 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 412 .